محمد بن علي الشوكاني

1368

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

رشادك . ولكن عليك قبل ذلك . ممرهم نافع ، وترياق شاف ، وهو أن تحسن النية ، وتوطن نفسك على أنك لم تفعل ذلك إلا للوفاء . مما أوجبه الله عليك ، وأخذه على أمثالك ، واغسل عن قلبك محبة أن يقال قال فلان بالحق ، تكلم بالصواب ، أنكر المنكر قام . مما أمره الله به ، فإن هذه الوساوس الشيطانية ، والخواطر الخذلانية تكون سببا لعدم تأثير ما جئت به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فقد تظن عدم تأثير ما جئت به لا لهذا السبب فتقول بعد ذلك : لا أظن التأثير . وإذا عرفت العلة علمت أن للتكلم بالحق تأثيرا في كل العباد ، وعلى كل معاند ومتمرد كائنا من كان ، وسأقص عليك واقعة صحيحة اشتملت عليها كتب التاريخ المعتبرة ، وهى أن بعض صلحاء العباد القائمين . مما أوجب الله عليهم من هذا التكليف رأى عشرة آنية مملوءة خمرا مع بعض خدم الملوك ، يريد أن يوصل ذلك إلى الملك ، وعد سافر به من أرض بعيدة ، فأخذ عصاه ، ثم ما زال يضرب تلك النية ها حتى كسر تسعة منها ، ثم وقف على العاشر فأمسك العصا ولم يكسره فبمجرد ما فعل ذلك ذهبوا به إلى الملك ، وقالوا : فعل وفعل ، وقد ظنوا وظن من هو مشاهد لذلك أنه سيقتل ، فأوصلوه إلى الملك فارتجف لعصاته ، واضطرب حاله ، وعراه من الهيبة ما لا يقدر قدره ، وغاية ما وقع منه أنه قال له : فعلت هكذا ؟ قال : لأن الله - سبحانه - حرم ذلك ، وأوجب على عباده إنكاره وتغييره ، فقال له ، فلأي سبب تركت واحدا منها ؟ قال لما كسرت اقصر . في نفسي شيئا من المجاب فتركت ذلك لئلا أكسره وقد انضم إلى تلك النية هذا الخاطر القبيح ، فلم يقل له شيئا ، وخرج سالما ، وقام . مما أمره الله - سبحانه - به . وكم وقع من التأييد الرباني ، والنصر الإلهي لكثير من القائمين هذا الواجب العظيم ، وقد اشتملت عليه كتب التاريخ . فمن كان له نظر فيها فهو بذلك غير محتاج إلى التنبيه عليه . وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية . وحسبنا الله ونعم الوكيل . فرغ منه مؤلفه محمد بن علي الشوكاني غفر لله لهما في فار السبت لعله سادس عشر شهر شوال سنة 1237 ه - .